ينتابني شعور غريب حين اشرع في اختيار الاجمل ، الحياة يملؤها الغث والسمين والجميل والقبيح والحلو والمر ولكن ولسرعة حكم الناس على الجمال، أخذت اتدبر...
هل يمكن للجمال ان يرتبط في الشهوة؟ .. قد يكون عندما يتعلق بالجنس الاخر
ام انه يمكن ان يرتبط بالراحة؟ .. ربما اذا تعلق بالمكان او الجو
هل يمكن ان يرتبط الجمال بالمصلحة او الفائدة؟ .. في عالمنا المادي ربما نعم
ولكن ألا ينتابنا شعور بالريبه والنفور من شخص يتمتع بكل خصال الجمال الشكلية!
مثلما انه ينتابنا شعور بأن الجو الممطر جميل جدا رغم انه ليس مريحا ابدا!
ألا ننظر الى الربح السريع عن طريق المحرمات انها ليس ابدا جميله؟
كيف نصف الجمال اذاً؟
واذا كان الجمال يقابله القبح، كيف يكون البيت الحمر قبيحاً بالنسبة للبعض بينما الرداء الاحمر الذي ترتديه النساء يكاد يزخر بالجمال!
كيف نرى شخصاً ذو ملامح جذابة ويمتلك يداً يمنى صغيرة ولكنها جميله ويمتلك يدا يسرى طويلة ولكنها جميله ايضاً ورجله سمراء جميلة ورجله الاخرى بيضاء جميله ايضاً، كيف ننظر لهذا الشخص بأنه قبيح وهو يملك الجمال في جميع اجزاءه؟
هل نستطيع ان نقول بأن الجمال يقابلة شيء آخر غير القبح؟؟
يذكر لنا المفكر المصري عباس محمود العقاد بأن :
“من المتفق عليه اننا لا نعرف شعورا انسانيا يناقض الشعور بالجمال كما يناقضه الشعور بالحرج والامتناع، واحتباس الفكر والخاطر والاحساس..
ولا نعرف شعورا انسانيا يوافق الشعور بالجمال كما يوافقه الشعور بالانطلاق والاسترسال واطراد الفكر والخاطر والاحساس..
فلا يكون الجمال ابداً في معناه بعيداً عن الحرية
ولا تكون الحرية ابداً في معناها بعيدة عن الجمال
وقد تقارب الموضوع من الطرف الاخر اذا ذكرنا ان الحرية المقصودة هنا هي نقيض الفوضى، كما ان الجمال نقيض الاضطراب والاختلاط، فالحرية تستلزم الختيار والمشيئة.
وليس للفوضى اختيار ولا مشيئة ولا غاية..
وهذا التباين بين الجمال و الفوضى من طرف وبين الجمال والحجر من الطرف الاخر هو الذي يرجع بنا الى التوحيد بين الجمال والحرية لأن الحرية كذلك تناقض الحجر وتناقض الفوضى..
ونزيد الامر توضيحا فنقول ان الحرية التي تمثل الجمال هي الحرية المقرونه بالاوزان والقوانين.
فالحرية بلا اوزان ولا قوانين هي الفوضى بعينها، او هي ليست بحرية على الاطلاق ، لأن الحر هو صاحب الاختيار او صاحب المشيئة والغاية ، وليس للفوضى غاية وليس للمرء فيها اختيار ولا مشيئة.
وانما يتبين لك مقدار حريتك اذا عملت بين الاوزان والقوانين.. فاللاعب الماهر صاحب مشيئة وصاحب قدرة اذا سار على الحبل الممدود واستطاع المسير في خفة وطلاقة،
والشاعر صاحب مشيئة وصاحب قدرة اذا عبّر عن معناه في الاوزان والالحان، واستطاع مع ذلك ان يقول ما يريد.
لأن الأوزان والقوانين هنا هي معيار حريته الذي يبين لنا ماعنده من قدرة وحرية في الحركة.
هذا هو الفرق بين القيود الذميمة والاوزان المستحبة: القيود تقضى على الحرية، والأوزان تبرزها في صورتها التي تعزز المشيئة والإختيار.
ولا تعريف - من ثم - للجمال اقرب من تعريفه بأنه هو كل ما يملي للنفس في الشعور بالحرية الموزونة، وكل ما يجنبها الشعور بالفوضى او الشعور بالامتناع والتقييد. “ اهـ
هذا الرأي الفلسفي من العقاد قد يخلط الدم بالشرايين في عقول البعض الذين اعتادوا الموروث العامّي للمصطلحات ولم يعيروا انتباها للتفكر والتأمل في ما تحتويه من مترادفات واعتراضات
وفهم مثل هذا الرأي - لا اقول تبنّيه - هو مدعاة لتغيير سلوك البعض في الحياة الاجتماعية والسياسية وحتى العاطفية الخاصة.
